أخبار

الصين - فولاذ الصين «المنفلت» يزعج أميركا وأوروبا أكثر فأكثر
آخر تحديث:  2017-07-20

أظهرت الأرقام الصادرة عن مكتب الإحصاءات الصينية أن البلاد متجهة إلى تسجيل سنة تاريخية أخرى في إنتاج الفولاذ والألمنيوم. فقد بلغ ذلك الإنتاج في يونيو (حزيران) الماضي 73.2 مليون طن من الفولاذ، أي بنسبة نمو 5.7 في المائة على أساس سنوي، و2.9 مليون طن ألمنيوم، بنسبة نمو 7.4 في المائة.
يأتي ذلك في وقت يتذمر فيه الأوروبيون والأميركيون من هذا الفائض الإنتاجي الذي يباع جزء منه بأسعار تحت الكلفة بحسب اتهامات الإغراق الموجهة إلى بكين. ففي العام الماضي بلغ إنتاج الفولاذ الصيني نحو مليار طن، أي 50 في المائة من كامل الإنتاج العالمي، وشكل ذلك تحدياً كبيراً للمصانع الغربية. لذا أطلقت الإدارة الأميركية في أبريل (نيسان) الماضي تحقيقاً لمعرفة ما إذا كان فائض الإنتاج العالمي من الفولاذ يهدد عوائد هذه الصناعة في الولايات المتحدة. وأضيفت آنذاك عبارة «تهديد الأمن الوطني»، أي أن التحقيق قد يتوسع إلى أهداف أبعد من الغرض التجاري.
وأعلنت الإدارة الأميركية أنها تحتفظ بحق إعلان تقنين استيراد الفولاذ. وأخذ الأوروبيون ذلك التهديد على محمل الجد أيضاً لأنهم يصدرون الفولاذ بكثافة إلى الولايات المتحدة. ومع ذلك، يبقي الأوروبيون أعينهم مفتوحة لمراقبة الصين لأنها، برأيهم ورأي الأميركيين معاً، المسؤولة الأولى عالمياً عن الفائض الإنتاجي، والبيع بأسعار مُهاوِدة دفعت الأميركيين إلى التلويح بفرض رسوم ضد الإغراق.
وتنفي مصادر صناعية صينية تلك الاتهامات، مشيرةً إلى أن غزارة الإنتاج مدفوعة أولاً بالطلب الداخلي، خصوصاً حاجات مشاريع البنى التحتية ومصانع السيارات، كما أن زيادة الإنتاج تستفيد من ارتفاع أسعار قضبان الفولاذ منذ بداية العام بنسبة 25 في المائة، وأسعار الألمنيوم بنسبة 12 في المائة.
وكانت مجموعة العشرين في اجتماعها قبل الأخير، في شانغهاي في فبراير (شباط) 2016، شكلت منتدى نقاش دائم (فوروم) يتابع فائض إنتاج الفولاذ وغيره من المواد، على أن تزود الدول المعنية ذلك المنتدى بكل المعلومات والبيانات التي يطلبها.
واتضح أن الصين غير متجاوبة كثيراً وفقاً لتأكيدات الأطراف الأوروبية والأميركية. لذا وضعت قمة هامبورغ التي عقدت في 7 و8 يوليو (تموز) الحالي أجندة زمنية لجمع كل المعلومات بحلول أغسطس (آب) المقبل، وفي شهر نوفمبر توضع استراتيجية خفض إجباري لذلك الفائض المؤثر في الأسعار وعدالة المنافسة.
ويعلق المراقبون أهمية كبيرة على ذلك المنتدى وجدية عمله، لتفويت الفرصة على الجانب الأميركي الذي يغريه الآن اتخاذ إجراءات أحادية الجانب.
إزاء هذا الواقع أجمع محللون على أن الصيغة التي خرجت بها قمة مجموعة العشرين الأخيرة في هامبورغ بشأن التجارة، هي اتفاق على عنوان بسيط التطبيق في ظاهره، لكن التعقيدات الخلافية كامنة في باطنه. وتناولت تلك الصيغة رغبة مشتركة في مواجهة الحمائية، وأقرت في الوقت نفسه حق استخدام الوسائل الدفاعية لمواجهة الممارسات التجارية غير المنصفة.
وسارع الرئيس الأميركي غداة عودته إلى واشنطن بعد القمة، إلى التغريد عبر «تويتر» حول نصر ما حققه، مشيراً إلى نجاح في شرح ضرورة تسوية الاتفاقات التجارية السيئة.. وقال: «سنسويها!»، في إشارة إلى شركاء الولايات المتحدة الذين بات عليهم توقع ما قد يخرج عن سياق الاتفاق المبدئي تحت بند «تسوية السيئ». أما كيف ومتى ستسوى الاتفاقيات، فتلك مسألة بقيت معلقة على «حسن النية أو سوئها»، كما أكد أحد الخبراء التجاريين. وأضاف: «أخذ شركاء أميركا علماً بأن الرئيس ترمب مصرّ على إجراء تعديلات على بعض الاتفاقيات، لكنهم تجنبوا معه حتى الآن خطر المعارك المفتوحة، التي كانت لاحت أشباحها خلال حملة ترمب الانتخابية، وبعد انتخابه رئيساً، عندما كان يلح على إعلان تغليب مصلحة أميركا على أي مصلحة أخرى حتى لو تطلب الأمر الخروج من اتفاقيات كما فعل مع اتفاقية باريس حول المناخ، إذ تنصل من التزامات وافق عليها سلفه باراك أوباما لجهة المساهمة في تخفيف الإنبعاثات وضبط استخدام الطاقة لا سيما الوقود الأحفوري. وخرج من اتفاق باريس بحجة أنه اتفاق سيئ يلجم نمو الاقتصاد الأميركي ويهدد وظائف الأميركيين».
ويؤكد المحللون أن بعض الاتفاقات التجارية قد تتعرض لمصير اتفاق المناخ، إذا رأت إدارة ترمب أنها تهدد النمو والوظائف في الولايات المتحدة.
ويشير مصدر في منظمة التجارة العالمية إلى أن الشق المتعلق بالتجارة في إعلان قمة مجموعة العشرين الأخيرة «يفتح المجال لتفسيرات شتى». وقال: «استخدام مفهوم وسائل الدفاع التجارية قد يعني أولاً شهر سلاح الرسوم أو الحواجز الجمركية، وهذا ما فعلته إدارة ترمب عندما بدأت بفرض رسوم ضد الإغراق بوجه استيراد الخشب الكندي. وهددت بشيء مماثل مستقبلاً بشأن الفولاذ الذي تتشارك أوروبا وأميركا بصدده في اتهام الصين بأنها تبالغ في طاقتها الإنتاجية لدرجة أنها تصدر بأسعار التكلفة أو دونها أحيانا».
وبالعودة إلى الإعلان الملتبس، ذكر مندوب تفاوض أوروبي ما أعلنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عندما قال صراحة إن «النص الذي اعتمد في قمة العشرين لا يبعد شبح الاضطرابات التجارية نهائياً، لا بل من الممكن أن تستمر تلك الاضطرابات فترة من الزمن».
وكشف المندوب أن المحادثات في قمة هامبورغ بشأن التجارة، كانت صاخبة ومدار شد وجذب عنيفين. ولحفظ ماء وجه القمة ووحدة أعضاء مجموعة العشرين خرج بيان يعطي انطباع «الاتفاق الناجز»، لكنه يحمل الشيء ونقيضه بانتظار جلاء الرؤية أكثر.
فمن جهة، أكد المجتمعون مبدأ رفض الحمائية العدائية، ومن جهة أخرى تركوا الباب مفتوحاً لاستخدام الوسائل الدفاعية. وليس صحيحاً، وفقاً للمندوب، أن النص أتى فقط لإرضاء الجانب الأميركي، فهناك دول أبرزها فرنسا تنادي بضرورة التبادل التجاري العادل والمنصف، إلى جانب حق اللجوء إلى ضرورات المعاملة بالمثل عند اللزوم. لذا أتى البيان «حمّال أوجه» كما لو أن كل طرف بقي على سلاحه. فالأوروبيون ليسوا أكثر تساهلاً من غيرهم، إذ إن رئيس المفوضية جان كلود يونكر حذر بكلام صريح مفاده أن الأوروبيين سيردون بالمثل فوراً إذا تعرضت مصالحهم التجارية إلى استهداف مباشر.
وبعد هذا التصريح التحذيري، بدأت مصادر تسرب قائمة منتجات أميركية قد يستهدفها الاتحاد الأوروبي، مثل عصير البرتقال ومنتجات الحليب وإحدى المشروبات الكحولية.
في المقابل، يحرص الجانب الألماني على تذكير الجميع بأن عبارة «حق استخدام وسائل الدفاع التجارية» لا يعني أن «الحبل على غاربه»، بل إن تلك الوسائل يجب أن ينسجم استخدامها مع قواعد منظمة التجارة العالمية.
تبقى الإشارة إلى أن احتجاجات مناهضي العولمة والرأسمالية التي واكبت اجتماع قمة العشرين، اكتسبت زخما إضافياً هذه المرة على وقع ملاحظات بدأت تعلنها أكثر الجهات المدافعة تاريخياً عن حرية التجارة، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. فبعض الانتخابات هنا وهناك شهدت ارتفاع نسبة المواطنين الغربيين المنددين بالنتائج السلبية لاتفاقات التجارة الحرة التي هددتهم في أمنهم الوظيفي ولقمة عيشهم. وما بعض أدبيات دونالد ترمب وتيريزا ماي وإيمانويل ماكرون إلا «رجع صدى» لذلك الاستياء الشعبي أو الشعبوي، ليبقى العالم منقسماً بين الدفاع عن منافع التجارة الدولية الحرة وبين التنديد بمساوئها، علما بأن ذلك التنديد قد يترجم في لحظة ما بحرب تجارية مفتوحة على كل الاحتمالات.

دوت إمارات